الشعر: فن الرسم بالكلمات العاشقة… بعد مرور ثمان سنوات عن صدور ديوانه الأول : ” ذرني أرتب قولي ” سنة
2000، يعود الشاعر محمد عماري وبقوة إلى عالم الكلمة الوجدانية الساحرة ،
بأضمومة ثانية ، وسمها ب ” عتبات الذاكرة ” ، الصادرة عن دار سعد الوزاني
للنشر ، في طبعتها الأولى سنة 2008 ، وتضم 37 قصيدة ثرية ثراء القصيدة
المغربية ، لغة وإبداعا …فهو من خلالها أفرغ شريط الذكريات المثقلة
والراسخة في الوعي أو اللاوعي ( التخييل) على الورق ، كي يستمتع بها
المتلقي ، فكان أن وخزتني واستفزتني ، مما دفع بي إلى اقتحامها في تحد
مقصود ، لكنني وجدتها لا تقاوم … محمد الكلاف .
فالقصائد بمثابة سير ذاتية ، وجدانية ووجودية ، يعيش من خلالها تفاصيل
حياته ، مفصلة بين تلوينات قصائده … قصائد تتميز بالحركة والوصف الجميل ،
يصور لنا من خلالها المكان بكل تجلياته ، والإنسان باستلاباته ، ببراعة
وإتقان ، بلغة موحية أقرب إلى الحقيقة ، صور أخاذة بإيحائية وكثافة
تعبيرية لامتناهية ، تنم عن رؤيا ذاتية …
فالذكريات ملتهبة في الذاكرة ، انطلاقا من العنوان حتى آخر قصيدة في
الديوان …إنه البوح الجمالي المتوحد في لغة نثرية ، في إطار شعري وشاعري
…لغة شفافة مصقولة.
لوحة الغلاف :- … لوحة موحية تحمل بين لونيها عدة دلالات ، وحسب قراءتي
المتواضعة ، فاللون الأزرق لون الأمل ، والأبيض لون الصفاء ، وتبقى
الأدراج ببابها مفتوحة للارتقاء إلى القمة اللامتناهية ، ما دام هناك سبيل
إلى ذلك …وقد توحي إلى أن الشاعر ما زال لم يصل إلى القمة ، وأنه بصدد
ارتقاء تلك الأدراج للوصول إلى القمة المنشودة: ” الشاعرية الحقة ” كما
صرح لي في أول لقاء به بطنجة …وهذا هو المبدع الحقيقي ،
قراءتي هذه لن تكون بمثابة وضع القصائد تحت المجهر، لفضح الهفوات اللغوية
والأدبية إن وجدت، بقدر ما ستكون لاكتشاف الممكنات الجمالية لكل قصيدة…
التناص :- …حاضر حضور الروح في القصيدة، حيث استلهم من القرآن الكريم عدة آيات وجمل وعبارات دالة…كقوله:- للسماء ذات الرجع
للأرض ذات الصدع
في قصيدة: ” وصلة صمت ” ص: 15-16
أو كما جاء في قصيدة :” صرخة في البهو ” ص: 34 -35…حين يقول
بين الصلب والترائب
يغازل امرأة الأمس
…………………….
…………………….
أوقدت نار الوجد
في جوفي
عند مطلع الفجر
أو كما جاء في قصيدة:” سكرة عشق قديم ” ص :- 76 …حيث يقول:…
تلوح
قطوف الليل دانية
تفتح لي
من شرفة الذكرى
بقية رسم
أو كما في قصيدة :” أنشودة التين والزيتون ” ص : -98
تصدح الأطيار
حجارة من سجيل
زغرودة للتين والزيتون
دلالات تناصية تعتمد على المكتسبات المختلفة ، تراثية ، شعبية ودينية …كما
اعتمد التكرار لبعض الكلمات في قصائد عدة ، والتكرار محمود في الشعر ،
كتوكيد لفظي عند الضرورة الشعرية ، يضفي عليه جمالية خاصة ، هي جمالية
الإيقاع ، كما هو الحال هنا :-
يقطف دمعة
……………
يقطف بسمة
…………….
يقطف قبلة
……………
……………
أحمل لمتي
……………..
أحمل لوعتي
…………….
تلحف صمت الليالي
تلحف شوك الأيادي
أوكما في قصيدة ” زغرودة السنونو ” ….
مرحى
لغزالة
نسجت عشها
من الريق الأبيض
…………………..
…………………..
مرحى
لغزالة
زفت
خلف حبات الثلج
وتبقى الملاحظة الوحيدة، هي سقوط قصيدة برمتها في هفوة التكرار، لكن
بعنوانين مختلفين، في صفحة 53 تحت عنوان:( من وضح الحنين ) ، وفي الصفحة
101 ، نفس القصيدة تتكرر تحت عنوان :( ربيع بلا صهيل ) …ربما سقط التكرار
سهوا، أو يكون خطأ مطبعيا غيب قصيدة من القصائد التي كانت ستحمل أحد
العنوانين…
الشعور القومي:-…لا يخلو شعر محمد عماري من الروح الوطنية والقومية ،
النابعة من حسه الإنساني ، الوجودي والوجداني ، يحترق باحتراق الآخرين ،
ويتألم لآلامهم ، كما في قصيدة :” حجر فوق بياض الثلج ” و ” أترحل صوب
الشمس وأبقى أنا ” ثم ” عرس الشهيد ” …قصائد لشهداء القضية الفلسطينية،
والنكبة العراقية…وغيرها …
تتجلى كثافة الحزن في كثافة التعبير الدلالي …أو كما في قصيدة :” خزامة
أطلت من عمق الدجى ” والتي يتذكر فيها ومن خلالها روح المقاوم الفذ : عبد
الكريم الخطابي …الذي ناضل ضد الاستعمار بمنطقة الشمال ، خاصة منطقة الريف
الوعرة بتضاريسها .
فمن قصيدة :” عرس الشهيد ” ص : 46-47… نقتطف هذه الأبيات …
من قلب يافا
تولدت الحكاية
عن امرأة
تعشق الحجارة
……………….
تقدمها
لطفل الجسارة
لطفل الشهادة
……………….
صهيل الليل
يرسم
عرس الشهيد
يخبو
ينبض
بين اللحود
أو كما جاء في قصيدة :” أترحل صوب الشمس وأبقى أنا …؟ “…القصيدة مهداة إلى
روح الطفلة الفلسطينية :” هدى ” ، الطفلة البريئة التي اغتالها الموت في
ريعان شبابها ، فجاءت القصيدة باكية دامعة، كإدانة لتلك الأيادي الآثمة
التي غيبتها مع سبق إصرار ..
هو ذا صوتك
يندف كالرذاذ
في فمي
” أبوي
أبوي ”
ذي هدى
تتلوى
على نهد الرمال
تتشكل جرحا
تتشكل دمعا
يخضب وجه التلال
…………………….
…………………….
” أبوي
أبوي ”
مات بني غرب
صاح بني عرب :
اسمعوا
اكتبوا
تحت الشمس
ما شئتم
شعر الغزل :-… الحب والغزل العذري يفوح من قصائد الديوان ، كما تفوح رائحة
الموت من بين الكلمات …غزل عفيف وحب رهيف ، منبعث من قصائد ترسخ العلاقة
القائمة بين الشاعر ومعشوقته :” الحسيمة ” رغم أنها ليست مدينة الولادة ،
لكنها مدينة الاحتضان ، والاحتضان يولد الإحساس بالاطمئنان … معشوقة
تبادله نفس العشق ، يتغنى باسمها ، يتماهى فيها وبمن فيها ، كما تغزل
بمدينته ” فاس ” ، بل بمدن أخرى ، أتيحت له فرصة زيارتها كمدينة ” إيفران
” ، مدينة للذكرى ، ومدن أخرى كثيرة ، نالت نصيبها من شعر وفي شعر : محمد
عماري …كما جاء في قصيدة :” زغرودة السنونو “، حيث يقول :-
مرحى
لغزالة
نسجت عشها
من الريف الأبيض
المقتول على الشفاه
وانسحبت كظلي الهارب
في البراري الآفلة ،
مرحى
لغزالة
زفت
خلف حبات الثلج
المزين بالورود .
أو كقوله في قصيدة :” خزامة أطلت من عمق الدجى ” .
ما رأيتك
إلا زاهية
على نهد رابية
توسدت عبق خزامة
سابحة بين غمامتين
……………………..
……………………..
أو كما جاء في قصيدة:” طيف امرأة “، قوله:
أبحث في ذكراي
عن امرأة
أوقدت
حرقة الوجد
في جوفي
وامتطت
تهليل الليل
أبحث في ذكراي
عن امرأة
أيقظتني
في عز الحلم
حرفا
تمطى كالصهيل
الحزن والكآبة :…شعر الذكرى والحصرة على المنفلت ، تنخر القلب والوجدان ،
فيسيل الدم مدادا على الورق ، ليرسم آخر ما تبقى راسخا في الذاكرة الشعرية
من صور للمكان …للإنسان، رغم مرور الزمان…
ونقتبس من القصائد جروحا لم تندمل بعد، كما في قصيدة:” جرح النهار ” ص: 11
تتفتح الأصداف
كالتيه في الليل
تهدهد طفلا
يبكي
يقرع
جرح النهار.
أو كما في قصيدة :” الحسيمة تأبطت حزن الصباح “…حيث يحمل أشلاءه .. أشياءه
…يترك الحلم … يكتب ذاكرة المكان بدمع اللحظة ، يسطر لحظاتها بأوتار
القيثار المكسر من فرط العزف …الرج…( التزلزل)، وتضيع البسمة على شفاه
الأيتام ، حين تتبدد الأحلام …
فجأة
رأيت الليل يمشي
يحمل أشياء
يحمل أشلاء
الحسيمة
………………….
………………….
يابنتي
جدران البيت
تأبطت حزن الصباح
ص :- 38 – 40
واستخلاصا من كل ما سبق ، أن نصوص الأستاذ : محمد عماري …نصوص دينامية ،
تفجر الفكر والإبداع ، وتحقق الحلم بانفتاحها وتفتحها على الرومانسية التي
تحتمي بالخيال أمام وطأة الواقع … نصوص تجعل المتلقي لا يستخدم وعيه فقط
في استقبال النص الشعري ، وإنما يستخدم أيضا خياله وقدرته على إعادة بناء
النص وتركيب عناصره ، واستنباط قيمه الجمالية ، وأبعاده الدلالية … نصوص
تنبض بالشاعرية لغة وبناء ، حيث منح لنفسه من خلالها حرية أوسع للتعبير
العاطفي ، والبوح الوجداني ، والتكثيف الصوري ، والرؤية الجمالية والفكرية
…إنه إبداع ، ومبدع حقيقي …
الخميس, 05 مارس, 2009
تفضل الاستاذ الناقد سي محمد الكلاف بانجاز دراسة قيمة حول ديوان"عتبات الذاكرة" للشاعر محمد عماري، ونشرها بالملحق الثقافي لجريدة "الميثاق الوطني"ندرجها للقراء الكرام فيما يلي
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









من المملكة العربية السعودية
<META http-equiv="refresh" content="0;URL=http://www10.0zz0.com/2009/06/19/14/498957697.gif/">